— شهدت غزة، السبت، أول انتخابات لها منذ أكثر من عشرين عامًا، ولكن في مدينة واحدة فقط، شارك فيها عدد قليل من سكان القطاع المنكوب، وسط تعثر عملية إحراز تقدم في وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة حماس.
أُجريت الانتخابات في مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وهي من المناطق الأقل تضررًا خلال ما يقرب من عامين من القصف الإسرائيلي على القطاع. كما أُجريت الانتخابات البلدية، التي نُظمت برعاية السلطة الفلسطينية، في الضفة الغربية المحتلة، وسط حالة من الاستياء الشعبي الواسع النطاق من حركة فتح الحاكمة.
في غزة، كان يحق لنحو 70 ألف ناخب – أي أقل من 5% من السكان – الإدلاء بأصواتهم في انتخابات اعتُبرت رمزية إلى حد كبير. هذه أول انتخابات تُجرى في القطاع منذ سيطرة حماس عليه في عام 2006.
وقال ممدوح البهيسي، ناخب يبلغ من العمر 52 عامًا، لوكالة أنباء رويترز: "بصراحة، كفلسطيني وابن قطاع غزة، أشعر بالفخر لعودة العملية الديمقراطية بعد هذه الحرب. أنا في غاية السعادة، وأدعو الله أن يشارك الجميع ويساهموا في إنجاح هذا الاحتفال الديمقراطي العظيم".
وأُجريت الانتخابات في غزة رغم تحديات جسيمة، بما في ذلك نقص مراكز الاقتراع المناسبة، ونقص صناديق الاقتراع، وغيرها، وفقًا لجميل الخالدي، المدير الإقليمي للمفوضية الفلسطينية للانتخابات. وقال لشبكة إن العديد من المدارس التي كان من المقرر أن تُستخدم كمراكز اقتراع قد دُمرت في غارات إسرائيلية، مما أجبر لجنة الانتخابات على استخدام الخيام بدلاً منها.
وأضاف الخالدي: "كنا مصممين على إجراء هذه الانتخابات وإيجاد البدائل اللازمة لضمان نجاح العملية الانتخابية".
استُبعدت حماس رسميًا من المشاركة في الانتخابات البلدية التي جرت السبت، حيث اشترطت منظمة التحرير الفلسطينية على الأحزاب والمرشحين قبول التزامات معينة، من بينها الاعتراف بإسرائيل ودعم حل الدولتين. لكن من المتوقع أن تساعد نتائج الانتخابات، إلى جانب نسبة المشاركة، في قياس شعبية حماس بعد عامين من الحرب.
رغم عدم تقديمها قائمة مرشحين رسمية، قامت قوات شرطة حماس بتأمين مراكز الاقتراع في دير البلح، حيث طوقت كل مركز بحراسة مسلحة.
وقال حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، السبت: "إن إجراء الانتخابات البلدية في دير البلح خطوة إيجابية وهامة"، داعيًا إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، والتي لم تُجرَ منذ عقدين. وأضاف: "نرى في هذه الانتخابات البلدية خطوة هامة وضرورية، ونأمل أن تُعمم على جميع محافظات قطاع غزة".
وقال أشرف شعيبي، رئيس اللجنة المركزية للانتخابات، إن انتخابات السبت في غزة يمكن أن تكون نموذجًا يُحتذى به للانتخابات الوطنية الفلسطينية. وقال شعيبي: "لقد كان من دواعي سرورنا أن نرى صناديق الاقتراع المصنوعة محليًا وأوراق الاقتراع المطبوعة محليًا في غزة تُتيح إجراء انتخابات لأول مرة منذ 21 عامًا وحرب مدمرة".
ومن المتوقع إعلان النتائج في وقت مبكر من مساء السبت أو الأحد.
مثّلت الانتخابات فرصةً للسلطة الفلسطينية لإظهار قدرٍ من الحكم الموحد على الضفة الغربية وقطاع غزة، بإجراء انتخابات في كليهما. ولم تمارس السلطة التي تقودها حركة فتح أي نفوذٍ حقيقي في غزة منذ طردها من قبل حماس قبل نحو عقدين من الزمن.
وقالت سارة جونسون، مديرة برنامج الديمقراطية في مركز كارتر، وهي منظمة غير ربحية تراقب الانتخابات حول العالم: "لا تقتصر أهمية انتخابات اليوم على الحكم الديمقراطي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تتعداها إلى أهمية تمكّن اللجنة المركزية للانتخابات من تنظيم انتخابات في دير البلح، حيث لم يُدلِ سكانها، الذين يعانون من النزوح والمعاناة، بأصواتهم في الانتخابات منذ عشرين عامًا".
وأضافت جونسون: "إنّ إشراك غزة أمرٌ أساسي لأي مسارٍ ذي مصداقية نحو تقرير المصير، ولتأكيد الوحدة الوطنية والإقليمية التي يتطلبها أي أفق سياسي".
رأى العديد من الناخبين في الانتخابات فرصةً للتعبير عن رغبتهم في تقرير المصير الفلسطيني وإيجاد سبيل للمضي قدمًا، لا سيما بعد أن دمّر القصف الإسرائيلي لغزة أجزاءً كبيرة منها. كما تُعدّ السلطة الفلسطينية المُصلحة جزءًا أساسيًا من اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، وتُعتبر الانتخابات عنصرًا حيويًا في هذا الإصلاح.
وقال محمد سلمان، البالغ من العمر 56 عامًا، أثناء إدلائه بصوته، السبت: "أملنا في هذه الانتخابات، بإذن الله، أن تُعيد تأكيد القومية الفلسطينية، وتمنع طمس الهوية الفلسطينية، وتُرسّخ ارتباطنا بهذه الأرض وجذورنا وأجدادنا".
وفي الأسبوع الماضي، التقى أرييه لايتستون، كبير مستشاري الحكومة الأمريكية، مع كبير مفاوضي حماس، خليل الحية، في القاهرة، في إطار مساعي إدارة ترامب لتعزيز وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. إلا أن التقدم تعثّر في المرحلة التالية من الاتفاق، التي تدعو إلى نزع سلاح حماس، ونشر قوة دولية في غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، في الضفة الغربية المحتلة، نظر بعض الفلسطينيين إلى الانتخابات البلدية بشكٍّ عميق. أُجريت الانتخابات البلدية، التي تُحدد المسؤولين عن إدارة الخدمات المحلية، آخر مرة في الضفة الغربية عام 2022. لكن في مدن رئيسية مثل رام الله ونابلس، اقتصرت قائمة المرشحين على حزب فتح، الذي يُسيطر على السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها.
لم يدعُ رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، البالغ من العمر 90 عامًا، إلى انتخابات رئاسية منذ أكثر من عقدين.
وصف محمود حريبات، الصحفي الفلسطيني البارز، الانتخابات بأنها "عرس بلا عريس". وكتب على صفحته عبر فيسبوك: "خيبت رام الله، بهذا المشهد، آمال كل من توقع أن يشعر بنبض الانتخابات فيها. لقد تركت الاحتفال الديمقراطي ناقصًا، باردًا، وبلا روح".
لا تسمح إسرائيل بإجراء انتخابات بلدية فلسطينية في القدس الشرقية. وقالت هدى الإمام، الناشطة الفلسطينية المعروفة من حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، في صفحتها عبر فيسبوك: "إن الانتخابات تُنذر بأن تصبح مجرد إجراء شكلي بدلاً من أن تكون عملية ديمقراطية حقيقية تعكس إرادة الشعب واختياره، أو تستجيب للظروف الخطيرة والملحة التي تُشكّل حياتنا اليومية المأساوية في ظل جرائم الاحتلال".
وكالة انباء الحوار الحر وكالة اخبارية اعلامية دولية